الخطيب الشربيني

377

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الشيء الواحد لا يكون دفعة في مكانين ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله سبحانه وتعظيم قدرته ، والمراد الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام . وقوله تعالى : أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ بدل من مَنْ فِي السَّماءِ بدل اشتمال ، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ، وقرأ : مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد الكسرة ياء في الوصل والباقون بتحقيقهما فَإِذا هِيَ أي : الأرض التي أنتم عليها تَمُورُ أي : تضطرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه ، قال في « القاموس » : المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك ، وقال الرازي : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها يذهبون ، والأرض فوقهم تمور فتقلبهم إلى أسفل السافلين . وقال القرطبي : قال المحققون : أأمنتم من فوق السماء كقوله تعالى : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ [ التوبة : 2 ] ، أي : فوقها لا بالمماسة والتحيز بل بالقهر والتدبير والأخبار في هذا صحيحة كثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند ، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلوّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود ، لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته ، كما جعل الله تعالى الكعبة قبلة للصلاة ، ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير متحيز وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولامكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان . وقوله تعالى : أَمْ أَمِنْتُمْ أي : أيها المكذبون مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ بدل من مَنْ فِي السَّماءِ بدل اشتمال . عَلَيْكُمْ أي : من السماء حاصِباً قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل ، وقيل : ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها ، وقيل : هي سحاب فيها حجارة فَسَتَعْلَمُونَ أي : عن قريب بوعد لا يخلف عند معاينة العذاب كَيْفَ نَذِيرِ أي : إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب ، وهو بحيث لا يستطاع ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع . قال البقاعي : وحذف الياء منه ومن نكير إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطوق ليس منتهى مقدوره بل لديه مزيد لا غاية له بوجه ولا تحزير ، أي : على قراءة أكثر القراء فقد قرأ ورش بالياء في الوصل فيهما دون الوقف والباقون بغير ياء وقفا ووصلا . وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي : إنكاري عليهم لما أصبتهم به من العذاب . ولما ذكر تعالى ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أجمع القراء على القراءة بالغيب لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال تعالى : إِلَى الطَّيْرِ وهو جمع طائر فَوْقَهُمْ أي : في الهواء ، وقوله تعالى : صافَّاتٍ أي : باسطات أجنحتهن يجوز أن يكون حالا من الطير وأن يكون حالا من فوقهم إذا جعلناه حالا فتكون متداخلة وفوقهم ظرف لصافات على الأول أو ليروا .